مع ذهابي الى فرنسـا لمتابعة الدراسة أصبحت لقـاءاتنا نـادرة, و محصـورة في أيام العطل, ولأننا كنا نعتقـد بأن الرسائل لن تفي بما نريـد أن نتبادلـه من أفكـار كان غنـاها في تـفـاعلـها المباشـر, فقد استغنينـا عن هذه الوسـيـلة. كما أن علاقاتـي الجديـدة في فرنسـا غيرت الكثيـر من اهتمـاماتي و شغلـت جل أوقـاتي.
وفي يوم من أيام عـطلي بالمغـرب استوقفـني أحـد معـارفي القدامى و أخـبـرني بأن صديـقي يمر بمحنـة شديـدة, وعلمـت فيما بعد أنـه عبر المضـيـق على قارب صغـيـر رفـقـة شـبان آخريـن. وتفرقـوا عنـدما وصـلوا ليـلا إلى الضـفة الأخرى.
بعـد ساعـات من المـشي وجد صديقي نفـسه يسيـر تحت جنح الظلام في غـابة مـوحشـة. ولكن مع بزوغ شمس النهار اكتشفت أمره جمـاعة من الشباب الإيبيـرييـن فطاردوه ثم سلموه إلى السلطات المحلية, و التي أعـادته بدورها إلى المـغـرب.
في واقع الأمر يصعب علي تصـديـق هذه القصـة بتفـاصيلها, ذلك أن لصديقي روايـة مختلفـة.
زرتـه ببيـتـه .. لمـحـت فـي عيـنيـه دمـعـة عـصـت عنـفـوانـه, وعلى شفتـيـه حسـرة جـامحـة, و كان صـوتـه مـوشـوما بجـروح مكـتومـة .. أخبـرني بأنـه كـان ينـوي الـذهـاب إلى ألمانـيا لاستكمـال دراستـه بعد أن رحـبـت به إحدى جـامعـاتهـا, ولـكن عنـصـرييـن إسـبـان سلبـوه أمتعتـه و أوراقـه الشخصـيـة بمـا في ذلك تأشـيـرات الدخـول.
لم يكن صـوت صديقي بالـقوة التي عـهدتهـا فيه منذ سنـوات..كان في صوته .. في نظراته .. شيء من الهـوان .. شيء من الإستـجـداء.
حـدثني طـويلا عن كراهـيـة الغـرب لنا لأننا بعد سنين الحجر الطـويلة عـدنا لنتشبث بهـويتنا .. ما يغيظهم أكـثـر – في رأيـه – هـو هذا التـاريـخ الـزاخـر بالأمجاد لأمتنـا والذي يلقي بظلال من الشك على ادعـاء الأفـضـليـة للإنـسـان الغربي.
اسـتـوقفـتـه أمـه لتناوله كوب ماء وعـقـاقيـر مهدئـة, واسـترسل بعد ذلك في حديثـه عن وجـوب اقتـحـام أوربـا و أمـريكا, إن لم يكن بالسيـف فبالكم و الكيف معا.
مرت أشهـر على هذا اللقاء, وكنت في سنتي الأخيـرة لنيل شهـادة الدكتوراه, مشـغـول الذهـن و الجوارح بأبحاثي و نتائـج برامجي حين فاجأتني رسـالـة من أحد أقربـائي تخبـرني بأن صـديقي اعتقـل واقتـيـد إلى السجـن لاتهـامه بالتـوسط بين بعض الشبـان و أحـد أصـحـاب قـوارب الأحـلام, و أنـه أفـرج عـنـه بعد أشهـر لعـدم ثـبـوت التـهـمة.
علمـت في رسـالة أخـرى بأن صديـقي أصيـب بصـدمـة نفسيـة قـويـة نتيـجة الاعتقال, و أنـه اعتكـف في بيتـه وصار لا يخـرج منـه إلا نـادرا .. وإذا ما حصل أن خـاطـبـه أحـد صـاح في وجهـه بأنه بصدد كتـابة مذكـراته, و سيفـضـح فيها كل المؤامرات و الدسـائس.
مرت أشهـر طـويلـة غاب فيها صـديقي عن الأنظار .. قيل أنه يتنقل بين الأضرحـة للاستشفاء, و قيل أنه هاجر إلى قريـة نائـية ليختـفي عن الأنظار المزعجـة.
غابت عني أخبـاره في زحمة الحيـاة, و أصبـحت لا أكـاد أذكـره .. غير أنني في الأيام الأخيرة .. عندما أحسست بمثالب خفية تطوق أحلامي, هرعت أسأل الناس عن مذكرات صديقي علني أجد في ثناياها مبتدأ الخطر و مصدر المؤامرات و الدسـائس.
و لما يئست من جدوى السؤال ألفيتني أكتب هذه الأسطر, وأرتب معانيها على ما تبقى بذاكرتي من مفردات لم تتآكل بفعل سنوات تكويني العلمي الطويلة.
لأكتب .. فكيفما كان انتقـاد القراء فإن حدود اللبـاقـة تكفيـنـي النعوت المحبطة التي عهدتها من صديقـي .. و يكفيـنـي ذلك أنـه .. لربما مــات.